العمل التجاري والوطن … تكامل المصالح


العمل التجاري والوطن … تكامل المصالح

التخطيط لتداول إدارة الشركات العائلية في دولة الإمارات من أجل آفاق مستقبلية واعدة
نوفمبر 29, 2017

خلافاً للاعتقاد الشائع، لا تمارس كبريات الشركات أعمالها بمعزلٍ عن العالم من حولها.

فالواقع هو عكس ذلك تماماً، حيث يملك قادة الرأي في العالم القدرة على تغيير العالم من حولهم بطريقةٍ مؤثرة وملموسة. وثمة شيء واحد فقط عليهم القيام به قبل كل شيء: جعل مهمتهم الأساسية خدمة أوطانهم وأعمالهم.

تُدرك الشركات التي حققت النجاح تلو الآخر على مدى عشرات السنين، حتى أصبح يُشار إليها بالبنان، أنّ مصالحها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بخدمة الوطن ومراعاة مصالحه.

ولا يختلف اثنان على أن النهج الذي يراعي مصالح الوطن ومكاسبه يعتبر واحداً من الأسباب الرئيسية التي تمكِّن الشركات من الحفاظ على مكانتها الرفيعة في أي مجال من مجالات الأعمال التي تعمل فيها، ذلك لأنّ التواصل مع المجتمع وتعزيز الروابط مع أفراده يخلق شعوراً بالوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي في أي دولة. وكما أنّ القلب يضخ الدماء بسرعة في جميع أنحاء الجسم، تضخ الأعمال التجارية أسباب الحياة في أرجاء البلاد كافة.

لذلك أود أن أغتنم هذه الفرصة وأتعمق أكثر في هذه النقطة الجوهرية للتنويه على أهمية الروابط الوثيقة التي تربط بين العمل التجاري والوطن. 

المنتجات المبتكرة تُحسِّن نوعية الحياة

ينبغي أن يكون الابتكار هو المحرك الأساسي والهدف الرئيسي لكل عملٍ تجاري. فعندما تؤمن الشركات بأهمية إضافة منتجات جديدة إلى قائمة أعمالها ستكون النتيجة نجاحاً لافتاً لأعمالها وتوسعاً كبيراً في دائرة عملائها. وينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ المستهلكين في معظم القطاعات يسعون دائماً للحصول على منتجات جديدة ومتميزة حتى وإن كان سعرها مرتفعاً.

ولا يقتصر الأثر الإيجابي لهذا النهج على ما سبق، بل يمتد ليشمل مجموعة واسعة من المستويات الأخرى. فالمنتج الجديد أو الخدمة المبتكرة هي أكثر من مجرد إضافة جديدة، ذلك لأن لديها القدرة على تغيير طريقة عمل الشركات وأنماط حياتنا بصورة سريعة للغاية. فعند تقديم منتج أو خدمة جديدة لمنطقة ما، يؤدي ذلك إلى تمكين سكانها والمقيمين فيها من تحقيق إنجازات كبيرة أخرى، فالابتكار – بدءاً من مجال الطباعة وحتى صناعة السيارات – يوفر تقنيات متقدمة للغاية تكون موضع ترحيب من الجميع، سواءً من الناحية الفنية أو الاقتصادية. 

نمو شامل يدعم الاقتصاد

ترتبط مجالات العمل ارتباطاً وثيقاً ببعضها البعض، وكلما ازدهر قطاع واحد انعكس ذلك إيجاباً على القطاعات الأخرى. ولنأخذ على سبيل المثال المنتجات عالية التقنية في مجال الطباعة والمعدات المكتبية وكيف أسهمت اسهاماً كبيراً في زيادة معدلات الإنتاجية لدى الشركات الإماراتية ونجاح أعمالها. فمع امتلاك أحدث التقنيات، تكون الشركات قادرة على تبوء مركز الصدارة في مجالات أعمالها واحتلال مكانة متميزة في السوق العالمية. وهذا بالضبط ما يمكن وصفه بتأثير كرة الثلج، أي كلما استمرت الشركات في اكتساب المزيد من الزخم في أعمالها، كلما نما اقتصاد الوطن وازدهر.

ويعد هذا النمط من النمو الإيجابي مألوفاً في إمارة أبوظبي، حيث ينمو الناتج المحلي الإجمالي بشكلٍ مستديم عاماً تلو الآخر. ورغم أنّ النفط كان يمثل مركز الاقتصاد الوطني تاريخياً، إلا أنّه لم يعد يمثل الآن سوى نصف الناتج المحلي الإجمالي لإمارة أبوظبي تقريباً – الأمر الذي يدلل على أهمية الصناعات غير النفطية في نمو الاقتصاد ودفع عجلة التنمية. 

الأعمال الناجحة تخلق وظائف جديدة

يساعد تأسيس الشركات الجديدة على تأمين الكثير من فرص التوظيف. لكن نمو هذه الوظائف يتوقف على استمرار نجاح أعمالنا في تحقيق النمو. وتقع على عاتقنا نحن أرباب عمل مسؤولية ضمان مواصلة النمو في سوق العمل عاماً تلو الآخر. ومع توسع مؤسساتنا وتنويع قائمة أعمالنا، ستكون أمامنا فرص كبيرة لتعزيز سوق العمل والتأثير فيه بصورةٍ إيجابية. وعلينا أن نتذكر أننا بذلك نسهم في بناء الوطن وتعزيز المجتمع وليس في تطوير شركاتنا فحسب.

.

الاهتمام بالبنية التحتية

تحتاج الاقتصادات النامية إلى بنية تحتية مناسبة تتواكب مع هذا النمو وتسهم في الحفاظ عليه، وقد حققت دولتنا بفضل لله خلال الفترة الأخيرة نمواً كبيراً فاق أي وقت مضى. وقد تضاعف عدد سكان أبوظبي بنسبة خمسة أضعاف خلال الربع الأخير من القرن الماضي أو نحو ذلك، وما زال الاقتصاد الوطني يواصل نموه عاماً تلو الآخر. وهذا يعني أن التركيز على البنية التحتية الثقافية والتجارية هو جزء لا يتجزأ من الحفاظ على النمو واستدامته.

وتحرص الدولة على ضخ الأموال اللازمة في مشاريع البنية التحتية لضمان جودتها وجهوزيتها لخدمة من يعيشون على أرضها، حتى أصبحت هذه التطورات من سمات المنطقة بأكملها، وسرعان ما أصبحت المباني الراقية رمزاً من رموز نجاح الدولة ومؤشراً قوياً على نمو اقتصادها. ولم يعد بإمكاننا تخيل سماء دولة الإمارات مثلاً من دون برج بوابة العاصمة (مبنى كابيتال جيت) أو برج لاندمارك.

الإيثار و”عام الخير”

من يزرع بذور الإيثار سيجني ثماره. فقد أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أن عام 2017 سيكون “عام الخير”، وعلينا أن ندرك ما هي الآثار الإيجابية لذلك على أعمالنا وأن نجعل من الإيثار جزءاً لا يتجزأ من رؤية جميع المؤسسات العاملة في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وقد جاء في الإعلان عن “عام الخير” أن الشركات ينبغي عليها بذل قصارى جهدها للمساهمة إيجابياً في مختلف المجالات “الاجتماعية والصحية والتعليمية والبيئية” لنشر بذور الخير في المجتمع. ومع أخذ هذا الهدف النبيل دائماً بعين الاعتبار، يجب على رجال الأعمال تخصيص جزء من أوقاتهم والأخذ بأسباب رد الجميل للمجتمع الذي يعيشون ويعملون فيه.

ولا يجب أن تكون المساهمة في مبادرات عام الخير مجرد حملة علاقات عامة، بل يجب أن تعود هذه المساهمات بالنفع على الدولة والمجتمع معاً. فمن خلال استثمار الوقت والمال في تقديم الدعم للمجتمع، يمكننا أن نسهم في إشاعة جو من الاستقرار والوئام في أرجاء الدولة قاطبة. وهذا بدوره يعزز النشاط الاجتماعي للأفراد ويسهم في خلق اقتصاد مزدهر. 

واجب الحفاظ على البيئة

لا ينبغي أن نقصر تفكيرنا على مستقبل المنطقة التي نعيش فيها فحسب، بل ينبغي أن يمتد ليشمل مستقبل الكوكب الذي نعيش فيه أيضاً. ويتوجب على الشركات أن تضع خطة واضحة تلتزم من خلالها بالحفاظ على البيئة بما يتناسب مع طبيعة أعمالها وأنشطتها التجارية.

ولكي تتحقق الاستفادة القصوى من النفوذ الذي يتمتع به قادة الأعمال، يتوجب على كل فرد منا أن يؤدي دوره المنوط به في الحفاظ على البيئة. فالهدف من ضمان سلامة مستقبل كوكب الأرض واضح ومستمر، وقد نصت رؤية أبوظبي 2030 بوضوح على أن هذا الهدف يحتاج إلى أن يكون جزءاً من المبادرة الوطنية في السنوات المقبلة.

وينبغي علينا النظر في استخدام الطاقة المتجددة مستقبلا،  وتُظهر الأرقام أن هذا المجال هو من المجالات التي تتوفر على فرص مالية كبيرة بسبب النمو الاستثنائي المتوقع فيها خلال السنوات المقبلة. وبما أننا سنكون بحاجة إلى مواصلة تنمية مواردنا وإيجاد بدائل للطاقة في المستقبل، يعد الانخراط في هذا القطاع الحيوي الآن قراراً مثالياً وستسعى الكثير من الشركات إلى ذلك في المستقبل القريب. 

الاستثمار في مستقبل مشرق لدولة الإمارات العربية المتحدة

يسعى كل واحد منا دائماً إلى تحقيق النجاح على المستوى الشخصي، وهذه هي سنة الحياة. لكن علينا كذلك أن نترفّع عن المصلحة الشخصية وننظر في كيفية تقديم الدعم لمن حولنا أيضاَ. وبصفتي من أرباب العمل، أرى أن الخطوة الأولى تتمثل في امتلاك رؤية واضحة للمبادرات التي ذكرناها في هذا المقال. فقد لا تكون جميعها قابلة للتطبيق لدى جميع الشركات باختلاف أنشطتها، ولكنها يمكن أن تستخدم كدليل للمساعدة في تعزيز تنمية الصناعات الوطنية وتطويرها على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة.

وعندما نلتزم بهذه الرسالة سيصبح بمقدورنا الاستثمار بفاعلية في مستقبل أعمالنا ومستقبل دولتنا الحبيبة.

Top